فخر الدين الرازي

160

تفسير الرازي

الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الزجاج كلمة " من " ههنا صلة زائدة ، والتقدير : وما أرسلنا رسولا ، ويمكن أن يكون التقدير : وما أرسلنا من هذا الجنس أحدا الا كذا وكذا ، وعلى هذا التقدير تكون المبالغة أتم . المسألة الثانية : قال أبو علي الجبائي : معنى الآية : وما أرسلت من رسول إلا وأنا مريد أن يطاع ويصدق ولم أرسله ليعصى . قال : وهذا يدل على بطلان مذهب المجبرة لأنهم يقولون : انه تعالى أرسل رسلا لتعصى ، والعاصي من المعلوم أنه يبقى على الكفر ، وقد نص الله على كذبهم في هذه الآية ، فلو لم يكن في القرآن ما يدل على بطلان قولهم إلا هذه الآية لكفى ، وكان يجب على قولهم أن يكون قد أرسل الرسل ليطاعوا وليعصوا جميعا ، فدل ذلك على أن معصيتهم للرسل غير مرادة لله ، وأنه تعالى ما أراد ألا أن يطاع . واعلم أن هذا الاستدلال في غاية الضعف وبيانه من وجوه : الأول : ان قوله : * ( إلا ليطاع ) * يكفي في تحقيق مفهومه أن يطيعه مطيع واحد في وقت واحد ، وليس من شرط تحقق مفهومه أن يطيعه جميع الناس في جميع الأوقات ، وعلى هذا التقدير فنحن نقول بموجبه : وهو أن كل من أرسله الله تعالى فقد أطاعه بعض الناس في بعض الأوقات ، اللهم الا أن يقال : تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه ، الا أن الجبائي لا يقول بذلك ، فسقط هذا الاشكال على جميع التقديرات . الثاني : لم لا يجوز أن يكون المراد به ان كل كافر فإنه لا بد وأن يقربه عند موته ، كما قال تعالى : * ( وإن من أهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته ) * ( النساء : 159 ) أو يحمل ذلك على ايمان الكل به يوم القيامة ، ومن المعلوم أن العلم بعدم الطاعة مع وجود الطاعة متضادان ، والضدان لا يجتمعان ، وذلك العلم ممتنع العدم ، فكانت الطاعة ممتنعة الوجود ، والله عالم بجميع المعلومات ، فكان عالما بكون الطاعة ممتنعة الوجود ، والعالم بكون الشيء ممتنع الوجود لا يكون مريداً له ، فثبت بهذا البرهان القاطع أن يستحيل أن يريد الله من الكافر كونه مطيعاً ، فوجب تأويل هذه اللفظة وهو أن يكون المراد من الكلام ليس الإرادة بل الأمر ، والتقدير : وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته ، وعلى هذا التقدير سقط الاشكال . المسألة الثالثة : قال أصحابنا : الآية دالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر والكفر والايمان والطاعة والعصيان إلا بإرادة الله تعالى ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( الا ليطاع بإذن الله ) * ولا يمكن أن يكون المراد من هذا الاذن الأمر والتكليف ، لأنه لا معنى لكونه رسولا الا أن الله